جثة في مكتبة القصر
المطر كان يطرق زجاج القصر العتيق بلا رحمة، صوته يختلط بصوت الريح ليخلق سيمفونية خوف طبيعية. في المكتبة، انطفأت الأنوار فجأة، وسمع صراخ يخترق الليل. الخادمة هدى تركض حاملة شمعة مرتجفة، طرقت الباب بعنف وهي تصرخ: "سيدي! هل تسمعني؟ افتح الباب!"
لم يجب أحد، حتى وصل الابن سليم، عرقه يلمع تحت المطر، صرخ بعصبية: "أبي! افتح الباب فورًا!"
وبعد دقائق، فتح الباب فجأة، لتصدم العيون بالمشهد: عادل بك ملقى على كرسيه، عيناه تحدقان في الفراغ، بقعة دم كبيرة على صدره، وبجانبه ورقة مكتوب عليها بخط متعرج: "الثمن كان لا بد أن يُدفع."
كل النوافذ مغلقة، المفتاح في القفل… كيف دخل القاتل؟ وكيف خرج؟
وصلت المحققة ليان، نظرت بعينيها الحادتين إلى المشهد، وأصابعها ترتجف حين تلمس الورقة. "هذا ليس انتحارًا… هذه جريمة مدروسة بدقة"، قالت، ثم سألت الجميع: "من آخر من رأى الضحية حيًا؟"
صمت رهيب، قبل أن يهمس جابر: "كنت عنده قبل ساعة… بدا قلقًا جدًا، كأنه ينتظر شيئًا."
ليان بدأت بالتحقيق مع كل واحد منهم. سألت سليم عن آخر مرة رأى والده، فقال إنه في الصباح تشاجروا حول الميراث. سألت هدى، وكانت بصماتها على مقبض الباب من الداخل محل شك، لكنها تلعثمت عند كل سؤال، كأنها تخفي شيئًا. أما جابر، فقد أخبرها أنه كان آخر من رأى الضحية حيًا، وتحدثوا عن الماضي والديون القديمة، ثم طلب منه الرحيل قبل انطفاء الأنوار.
ليان رفعت الورقة المشفّرة، ونظرت إليها بعناية: كانت هناك رسالة مخفية بين الكلمات، ورقة مليئة بالرموز والأرقام تشير إلى خطة دقيقة. كما رفعت ساعة صغيرة توقفت عند 11:47، وقت وقوع الجريمة تقريبًا.
في اليوم التالي، دخلت ليان المكتبة بمصباح يدوي صغير، كل زاوية مضاءة بعناية. دفعت درج المكتب، لتظهر فتحة ميكانيكية صغيرة لم يلاحظها أحد، ورفعت كتابًا ثقيلًا لتجد ورقة تحتوي على رموز وأرقام… خريطة صغيرة للغرفة. قارنت المواقع مع توقيت الساعة وحركات الشخصيات، وابتسمت بخفة: الغرفة لم تُغلق من الداخل، هناك آلية ذكية تجعلها تبدو كذلك.
ليان بدأت تربط بين الرموز والأرقام، كل خطوة تقود إلى زاوية في القصر أو آلية سرية لم يلاحظها أحد. بينما كانت تفحص المكان، لاحظت سليم ينظر إليها بنظرة غير واضحة، الغضب والقلق مختلطان في عينيه. هدى حاولت إخفاء ارتعاشها، وجابر يبدو متوترًا، عيناه تراقبان كل شيء بحذر.
ليان بدأت تضغط بشكل خفي على الشخصيات، تسأل، تراقب، تلمس تفاصيل كل حركة صغيرة، وتترك القرائن لتلتقطها أعينهم، فتتصاعد الضغوط النفسية عليهم. كل شخصية بدأت تظهر ملامح ضعفها، وكل خيط من الأدلة يقربهم أكثر وأكثر من الحقيقة.
تتوالى الأحداث، ليان تفحص كل زاوية، تفتح الأبواب المخفية، تقرأ الرموز على الورق، وتقارنها بالتحركات السابقة للشخصيات، وتستنتج أن القاتل شخص يعرف القصر جيدًا، يستخدم معرفته لإخفاء نفسه. كل شيء يصل إلى ذروته، المطر يزداد غزارة، والليل يزداد ظلمة، بينما الكل يترقب الخطوة التالية.
وفي النهاية، عندما أحست ليان أن الضغط النفسي بدأ يأخذ أثره، ركزت على جابر، آخر من رأى الضحية حيًا. نظرت إليه بعينيها الثاقبتين وقالت بهدوء: "كل شيء أمامي… كل حركة، كل كلمة، كل محاولة لإخفاء الحقيقة… لم يعد هناك مكان للهرب."
ارتجف جابر، عرقه يقطر على وجهه، صمت طويل قبل أن تنكسر عيناه، ويهتف أخيرًا: "لقد… لقد فعلتها… لم أقصد قتل أحد… لكن الأمور خرجت عن السيطرة!"
القراءة كانت صدمة للجميع، لكن ليان اكتفت بمراقبته بعين حادة، عالمة أن كل خيط من الأدلة قد جمعها، والسر الذي حاول إخفاءه عنهم كله قد انكشف. القاتل أخيرًا اعترف، لكن القصة لم تعد عن الجريمة نفسها فقط، بل عن الضغط الذكي، التحليل النفسي، وفهم الطبيعة الب
شرية التي جعلت الحقيقة تظهر.
تعليقات
إرسال تعليق